محمد بن جرير الطبري
258
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حَالَّة بالفريق الآخر : الذين يكتمونَ ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس ، ( 1 ) هي لعنة الله ، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالّة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار ، ( 2 ) وهم " اللاعنون " ، لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر . * * * وأما قول من قال إن " اللاعنين " هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأرض وهَوامِّها ، ( 3 ) فإنه قول لا تدرك حَقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تَقوم به الحجة ، ولا خبرَ بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك . وإذْ كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال : إن الدليل من ظاهر كتاب الله موجودٌ بخلاف [ قول ] أهل التأويل ، ( 4 ) وهو ما وصفنا . فإنْ كان جائزًا أن تكون البهائم وسائرُ خلق الله ، تَلعن الذين يَكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوّته ، بعد علمهم به ، وتلعن معهم جميع الظَّلمة - فغير جائز قطعُ الشهادة في أن الله عنى ب " اللاعنين " البهائمَ والهوامَّ ودَبيب الأرض ، إلا بخبر للعذر قاطع . ولا خبرَ بذلك ، وظاهر كتابا لله الذي ذكرناه دالٌّ على خلافه . ( 5 ) * * *
--> ( 1 ) في المطبوعة : " من بعد ما بيناه للناس " ، وهو سهو ناسخ . ( 2 ) في المطبوعة : " هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة . . . " ، والصواب ما أثبت . ( 3 ) كل ماش على وجه الأرض يقال له : دابة ودبيب . ( 4 ) ما بين القوسين زيادة ، أخشى أن تكون سقطت من ناسخ . ( 5 ) في المطبوعة : " وكتاب الله الذي ذكرناه " ، وهو كلام لا يقال . والصواب ما أثبت . والذي ذكره آنفًا : " إن الدليل من ظاهر كتاب الله . . . " . هذا ، ورد قول هؤلاء القائلين بما قالوه ، مبين لك عن نهج الطبري وتفسيره ، وكاشف لك عن طريقته في رد الأخبار التي رواها عن التابعين ، في كل ما يحتاج إلى خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطع بالبيان عما ذكروه . والطبري قد يذكر مثل هذه الأخبار ، ثم لا يذكر حجته في ردها ، لأنه كره إعادة القول وتريده فيما جعله أصلا في التفسير ، كما بين ذلك في " رسالة التفسير " ، ثم في تفسيره بعد ، ورد أشباهه في مواضع متفرقة منه . أما إذا كان في شيء من ذلك خبر قاطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يدع ذكره ، فإذا لم يذكر - فيما أشبه ذلك - خبرًا عن رسول الله ، فاعلم أنه يدع لقارئ كتابه علم الوجه الذي يرد به هذا القول .